التحول الرقمي في الاعلام متطلب ضروري لموكبه التطور التكنولوجي

أدت التغيرات والتطورات المتسارعة في السنوات الأخيرة خصوصا بعد انتشار جائحة كورونا الى تضاعف المعارف والخبرات البشرية. وتطور وسائل وأساليب الاتصال والتواصل وتبادل العلاقات والمنافع عالميا.

وقد أدى تدخل التكنولوجيا الحديثة في كل المجالات إلى تغيير كبير في طرق تقديم الخدمات والمنتجات والمعارف والمهارات كما أدى الى تغيير مفهوم عنصر الزمن والذي يعتبر العنصر الرئيسي لتسارع الاحداث والتطورات.

هنالك العديد من المبادرات أطلقت عالميا تهدف الى تشكيل المستقبل. ويعد التحول الرقمي المرحلة الثالثة من مراحل تبني التكنولوجيا الرقمية والتي تمر بعدة مراحل وهي كل من: مرحلة الكفاءة ومرحلة الاستخدام ومرحلة التحول

حيث ان التحول الرقمي يعتمد على اكساب الافراد مهارات جديدة ومن ثم إعادة هيكلة المؤسسات لكي يكون الافراد والمؤسسات أكثر قدرة على التجديد والابداع والابتكار.

والتحول الرقمي المنشود في المؤسسات نقصد به الانتقال من الاتجاهات والأنماط التقليدية الحالية إلى الاتجاهات والأنماط المستقبلية التي تشدد على إنتاج المعرفة وابتكارها والانفتاح على الثقافة العالمية. من خلال استخدام تقنيات التواصل الرقمية بما يكفل عدم العزلة عن العالم من جهة. مع الحفاظ على الهوية الدينية والثقافية والقيم والمبادئ من جهة أخرى.

وبما ان المؤسسات المجتمعية مطالبة باللحاق بركب التقدم والتطور التكنولوجي فإن المؤسسات الإعلامية مطالبة أكثر بالتفاعل مع التطورات التكنولوجية الحديثة والانخراط في العصر الرقمي من اجل سرعة نقل الخبر.

بداية عام 2020 أسهمت جائحة كورونا في الإسراع باتجاه وسائل الإعلام التقليدية نحو التحول الرقمي. والاعتماد على نظم وأساليب تكنولوجية متطورة وحديثة.

من اجل التغلب على حالة الانغلاق التي فُرضت على العالم. وتغير توجه الأفــراد الى منصات الإعلام البديل (الالكتروني) للبحث عن الاخبار والمعلومات حول الجائحة وتطوراتها. وكذلك الاعتــماد عليها كوسيلة أساسية لقضاء الوقت وتحقيق المتعة والتسلية والترفيه في ظل التوقف شبه الكامل لوسائل الحياة.

وفي الوقت الذي تعرضت فيه قطاعات اقتصادية متعددة لأضرار وخسائر فادحة فإن قطاع تكنولوجيا الاتصالات وخدمات الإنترنت المستفيد الأكبر من خلال تحقيق زيادة في حجم الأنشطة التجارية والخدمية وأدت حالة العزلة والتباعد الاجتماعي التي فرضتها جائحة كورونا إلى انفراد وتميز الشركات العاملة في هذا القطاع بتقديم الخدمات للمواطنين عبر شبكات الإنترنت.

وحققت شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة وحدها أرباحا بلغت مليارات الدولارات حسب التقارير التي ذكرت ذلك.

أيضا انتعشت صناعة الاتصالات والتي أصبحت الوسيلة الوحيدة لاستمرار التعليم في ظل توقف الدراسة في المدارس والجامعات بسبب الجائحة.

المؤسسات التعليمية لتتمكن من استمرار الدراسة والتواصل مع طلابها. استعانت بمواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقاتها.

ويمكــن القول إن جائحة كــورونا غيَّرت أنماط الحياة في العالم. من خلال حصر أنشطة الافراد داخل منازلهم لفترات طويلة.

مما أدى الى نجاح الشركات والمؤسسات المتخصصة في إنتاج الأفلام والمسلسلات عبر نشاطات غير تقليدية خارج شاشـات العرض. السنيمائية والتليفزيونية،

وسرعان ما وجد المشاهدون ضالتهم في هذه النوعية من الخدمات في الأوقات التي يرغبون المشاهدة فيها.

وخير مثال شركة نيت فليكس الأمريكية في مقدمة تلك الشركات التي حققت انتشارا واسعا وشهرة عالمية.

كما توجد شركات أخرى منافسة مثل أمازون إلى جانب بعض الشركات التي ظهرت في المنطقة العربية. مثل منصة شاهد العربية وغيرها

ومن هنا. فقد فرضت جائحة كورونا واقعًا جديدًا وطرق مستحدثة أجبر كل المؤسسات الإعلامية على اللحاق بسرعة بالعصر الرقمي. وإلا خسرت مكانتها في ظل المنافسة القوية.

ويبدو أنه سيكون من الصعب جدا عودة الإعلام لما كان عليه من قبل لأن مسيرة التحول الرقمي بدأت في الإسراع في مسيرتها بقوة ولن تتوقف لاسيمــا مع توفر الإمكانيات الداعمة لهذا التحول.

ومن الخطأ ان نظن أن التحول الرقمي في المؤسسات الإعلامية يقتصر على الانتقال من استخدام وسائل وتقنيات قديمة واستبدالها بوسائل وأدوات وتقنيات حديثة.

ذلك أن التحول الرقمي يتطلب تغييرًا حقيقيًّا في مهارات العاملين وهيكلية المؤسسات الإعلامية.

وتحول جذري في صناعة المحتوى وطرق تقديمه للجمهور والتحرر من القوالب التقليدية والساكنة.

وابتكار أساليب جديدة تعزز مكانة وسائل الإعلام التقليدية وقدرتها على التأثير من خلال منصات تفاعلية تواكب احتياجات الجمهور.

حيث أصبح التحول الرقمي في الإعلام واقعًا تعيشه الدول المتقدمة التي دخلت بالفعل عصر المنصات الرقمية.

وفتحت التقنيات الحديثة الباب أمام التحول الرقمي الذي شمل كل أساليب الممارسة الإعلامية.

وأصبحت تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي جزءًا مهما في النقلة التي يشهدها الإعلام الحديث.

وأضحى من الصعب الفصل بين الواقع الذي نعيشه وبين الشبكات الاجتماعية وتطبيقات الهواتف والالواح الذكية.

ومع تطور تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تزايدت قدرة الآلات والروبوتات على معالجة البيانات والتعامل مع المحتوى الإعلامي ومراجعة النصوص وتقديم نشرات الأخبار والبرامج.

وأصبح توفير التقارير البيانية والاستطلاعات الآلية أمرًا متاحًا، واستُبدل الروبوتات بالعنصر البشري

ومثال على ذلك استخدام شركة فيسبوك “ماسنجر” ما يقارب اكثر من 30 ألف (شات بوت) للرد على رسائل المستخدمين أو المشتركين في الصفحات. كما تذكر التقارير والاخبار.

حيث وفرت تقنيات الذكاء الاصطناعي الكثير من الجهد والوقت المبذول من جانب الصحفيين والإعلاميين في جمع المعلومات والأخبار وصياغتها.

وإذا كانت وسائل الإعلام في الدول المتقدمة قد قطعت شوطًا كبيرًا وحققت تقدما ملحوظا في مجال التحول الرقمي الذي أصبح واقعا معاشا لدى الكثير منها،

فإن وسائل الإعلام في المجتمعات النامية والعربية لا تزال تخطو خطواتها الأولى في هذا المجال، بل إن البعض منها ربما يعجز عن استيعاب التقنيات الحديثة لأسباب متعددة؛ منها ضعف الإمكانيات وقصور الأنظمة في المؤسسات الإعلامية.

والسؤال هنا يطرح نفسه

هل سيؤدي التحول الرقمي إلى اندثار وسائل الإعلام التقليدية وفقدان العاملين في المؤسسات الاعلامية وظائفهم في غضون سنوات قليلة؟

وهل سيبقى العنصر البشري هو الطابع المميز للعمل الصحفي والإعلامي، أم أن الآلة سوف تحل محل البشر؟

الكثير من التقارير يتحدث عن فقدان الكثير من الوظائف التي يشغلها الناس في مجالات العمل المختلفة بسبب إحلال الآلة محلهم.

فإن الشيء نفسه سيحدث في العمل الإعلامي، ولكن العنصر البشري سيظل عنصرًا مهمًّا من عناصر العمل الإعلامي. وسوف يعتمد إعلام المستقبل على عمل الصحفيين والإعلاميين جنبًا إلى جنب مع الآلات الذكية.

وهو ما يتطلب جهدا مضاعفا من جانب المؤسسات الإعلامية ولاسيما في الدول النامية والعربية من بينها لتطوير برامجها وآليات عملها وتطبيقاتها الذكية لتستطيع الصمود والبقاء في حلبة المنافسة،

فهل نستطيع فعل ذلك في الوقت المناسب؟ هذا هو السؤال الذي يجب ان نطرحه لأنفسنا.

بقلم:

استشاري التدريب والتطوير

رائد نحات

الامين العام لشؤون التدريب والتطوير / الاتحاد العربي للاعلام الالكتروني

 

عن رئيس التحرير

شاهد أيضاً

التدريب بين الهواية والاحتراف واخلاقيات المهنة

يعتبر التدريب عملية ابداع في علوم وقيم ومبادئ وسلوكيات واهداف رفيعة سامية يسعى المدرب جاهدا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *